يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
370
بهجة المجالس وأنس المجالس
وفي خبر آخر : أنّه لما احتضر معاوية ، رفع يديه ، وهو يجود بنفسه ، وقال متمثلا : هو الموت لا منجى من الموت والّذى * أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع « 1 » ثم قال : اللّهمّ أقل العثرة ، واعف عن الزّلّة ، وجد بحلمك على من لا يرجو غيرك ، ولا يثق إلّا بك ، فإنّك واسع الرحمة ، نعفو بقدرة ، وما وراءك مذهب لذي خطيئة موبقة ، يا أرحم الراحمين . وفي خبر آخر عن سعيد بن المسيّب ، قال : لما احتضر معاوية قال : أقعدونى . فأقعد . فجعل يذكر اللّه ، وقال : يا ربّ ! ارحم الشّيخ العاصي ذا القلب القاسى ، وعزّتك إن لم تغفر لي فقد هلكت ، ثم غشى عليه فبكى أهله ، ثم أفاق ، فأنشأ يقول متمثلا : لعمري لقد عمرت في الملك برهة * ودنت لي الدّنيا بوقع البواتر وأضحى الّذى قد كان منّى يسرّنى * كلمح مضى في السّالفات الغوابر فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة * ولم أغن في لذّات عيش نواضر وكنت كذى طمرين عاش ببلغة * من الدّهر حتّى زار ضيق المقابر « 2 » ثم مات رحمه اللّه .
--> ( 1 ) العقد الفريد 3 / 180 ، وفيه : أنكى بدل أدهى . ( 2 ) الأبيات الثاني والثالث في العقد الفريد 2 / 232 ، وفيه : ولم أره في اللذات أعشى النواظر بدل ولم أغن في لذات الخ ، وفيه : ليالي بدل من الدهر .